واشنطن تعود الى فنزويلا وتُغيّر خريطة الطاقة

واشنطن تعود الى فنزويلا وتُغيّر خريطة الطاقة -- Jan 12 , 2026 47

تميّز تاريخ الطاقة في أميركا الجنوبية على مدى أكثر من عشر سنوات بإستقطاب أيديولوجي حاد ، حيث كان النفط الفنزويلي يتدفق شرقا لتغذية النمو الصيني، بينما كانت الولايات المتحدة تقف وراء حاجز العقوبات.

هذا الواقع تغيّر بشكل كبير مع أحداث مطلع العام 2026 ،حيث يشهد قطاع الطاقة العالمي مرحلة تصحيح عنيفة، بعد التحول السياسي الدراماتيكي في فنزويلا، وما تلاه من حصار أميركي، ومع إصرار إدارة ترامب على إعادة العمل بمبدأ «مونرو»، بدأت فوائد هذا الأمر تتضح للاقتصاد الأميركي تتضح جليا، في مُقابل أزمة طاقة ستواجه بكين وتُهدّد أمنها الحراري.

نهضة التكرير في أميركا

صُممت مصافي التكرير الأميركية، وخاصةً تلك الموجودة في تكساس ولويزيانا، خصيصا لمعالجة النفط الثقيل كالنفط الفنزويلي الخام «ميري». وبالتالي، يعود هذا الأخير إلى ساحل الخليج الأميركي ليس كسلعة فاخرة، بل كضرورة تقنية فرضتها خصائص هذا النفط (ثقيل وحامض ولزج)، لتكون بالتالي هذه المصافي بديلا عن المصافي الكندية والشرق أوسطية:

- الميزة اللوجستية: يستغرق وصول النفط إلى الموانئ الأميركية حوالي 4 أو 5 أيام بواسطة ناقلات النفط، مقارنة بـ 40 يوما للوصول إلى الخليج العربي.

- هوامش التكرير: سيمكن توفر النفط الخام الثقيل مصافي التكرير الأميركية، من تحسين إنتاج المشتقات عالية القيمة، مثل الديزل ووقود الطائرات وزيت التدفئة.

- إعادة تأهيل البنية التحتية: مع الإدارة الجديدة، ستتحول شركات النفط الأميركية الكبرى مثل «شيفرون»، إلى وضع التوسع بدلا من وضع الصيانة، وذلك وفقا لاستراتيجية الإدارة الجديدة.

وقد صرّحت وزارة الطاقة الأميركية إلى نيّتها تخفيف إنتقائي للعقوبات على فنزويلا، مما سيؤدي إلى تصدير ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الخام المخزن في خزانات أو ناقلات كانت محظورة سابقا. هذا الأمر سيُساهم في إستقرار أسعار الوقود المحلية، وسيعطي قطاع النفط الأميركي، الذي عانى من تقلبات حادة حتى عام 2025، دفعة قوية.

النكسة الإستراتيجية للصين

إذا كانت الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من هذا التحول، فلا شك أن الصين ستكون الخاسر الأكبر في هذه العملية. فمنذ عام 2019 بات النفط الفنزويلي يُباع كملاذ أخير إلى الصين، التي استحوذت على ما يقارب 80% من النفط الفنزويلي المُباع بحلول منتصف عام 2025. وقد تمت هذه التجارة في الغالب عبر أسطول غير رسمي من ناقلات النفط ومصافي تكرير صغيرة في مقاطعة شاندونغ، وعادةً ما كان يُباع بأسعار مُنخفضة جدا، تتراوح بين 15 و20 دولارا للبرميل أقل من أسعار السوق. لكن هذا الأمر أصبح من الماضي، مع وضع اليد الأميركية على فنزويلا.

يستهدف تعطيل سلسلة التوريد الى الصين ثلاث نقاط رئيسية:

- أولاً مبادلة الديون بالنفط: تُقدّر ديون الصين المتوجبة على فنزويلا بنحو 10 إلى 12 مليار دولار. وقد سُدّد قسم من هذه الديون سابقا بشحنات نفطية. ونظرا لأن الولايات المتحدة تُشرف الآن على تسويق النفط الفنزويلي، فإن طريق سداد هذه الديون يُمثّل حقل ألغام جيوسياسي.

- ثانياً أزمة المصافي الصغيرة: تمتلك الصين مصافي تكرير مستقلة، تُوفّر للبلاد حوالي 20% من إجمالي طاقة التكرير، وتعتمد على النفط المرخّص بأسعار مُخفّضة للحفاظ على قدرتها التنافسية. تتعرض هذه المصافي الآن لضغوط هائلة، بسبب اضطرارها للمنافسة على خامات قياسية مثل خام برنت.

- ثالثاً السيطرة الجيوسياسية: على مدى عقدين من الزمن، كان للصين موطئ قدم إستراتيجي في أميركا اللاتينية من باب فنزويلا. وقد حقق التدخل الأميركي الأخير نجاحا ملحوظا في إنهاء قوانين مكافحة الحصار، التي كانت تُمكّن الشركات الصينية المملوكة للدولة من إدارة عملياتها بشفافية شبه كاملة.

الخاسر على المدى القريب سيكون مصافي التكرير الصينية المستقلة، التي كانت تحصل على حوالي 600 ألف برميل يوميا من النفط الخام الفنزويلي بخصم كبير، وفقا لتحليل حديث أجرته شركة TD Securities. وسيؤدي فقدان هذا المصدر إلى عودة الصين إلى السوق المفتوحة التنافسية، نظرا لتزايد ضغوط سلاسل التوريد العالمية.

مقارنة تأثيرات السوق المتوقعة

يحمل إستئناف صادرات النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة تداعيات عديدة. فمن حيث مصدر الإمداد، تستفيد الولايات المتحدة من قربها الجغرافي وإنخفاض تكاليف الشحن، بينما تُجبر الصين على التحول نحو أنواع النفط الخام، الأكثر تكلفة من الشرق الأوسط أو روسيا. أما فيما يتعلق بـملاءمة المصافي، فإن النفط الخام الثقيل من فنزويلا متوافق للغاية مع مصافي ساحل الخليج الأميركي ، المُجهزة لاستقبال هذا النوع من النفط الخام، تماما كما كان مناسبا لمصافي التكرير الصينية الصغيرة المستقلة. وفيما يخص التسعير، يحصل المشترون الأميركيون على النفط بأسعار السوق التجارية، حيث يُسهم إزدياد العرض في إستقرار الأسعار، بينما يفقد المشترون الصينيون الخصم، الذي كانوا يتمتعون به سابقا على النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات، والذي يبلغ حوالي 15 دولارا للبرميل.

وأخيرا، من حيث التأثير الإستراتيجي، تُشير هذه الخطوة إلى إعادة تأكيد مبدأ «مونرو» من قِبل الولايات المتحدة، في حين تواجه الصين إستبعادا من شريك رئيسي في أميركا الجنوبية، مما يُمثل انتكاسة جيوسياسية للصين.

وقد قدّر خبراء شركة «ريستاد إنرجي» أن مضاعفة الإنتاج ثلاث مرات، ليصل إلى حوالي 3 ملايين برميل يوميا خلال السنوات العشر القادمة، سيتطلب إستثمارا يُقدّر بـ 183 مليار دولار. وأشارت إدارة ترامب إلى أن قيادة هذه الخطوة ، ستكون من نصيب كبرى شركات النفط الأميركية، وهي الأكبر والأفضل في العالم. مع ذلك، ومع تسارع وتيرة التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، فإن الفترة التي قد تشهد طفرة نفطية فنزويلية، قد تكون أقصر مما يتصوره البعض.

في المحصلة، إن عودة فنزويلا إلى سوق الطاقة الأميركية ليست مجرد إتفاقية تجارية، بل هي إعادة تشكيل لشبكة النفوذ العالمية. ولم تكتفِ واشنطن بتشديد قبضتها على شبكة إمدادات الطاقة الخاصة بها، بل نجحت أيضاً في قطع شريان رئيسي من السيطرة الصينية على الأميركتين. ومع وصول ناقلات النفط التي تبدأ رحلتها القصيرة شمالاً إلى هيوستن، بدلاً من رحلتها الطويلة شرقاً إلى تشينغداو، أصبح مركز الثقل الإقتصادي للنفط الخام الثقيل رسمياً في نصف الغربي للكرة الأرضية.

جاسم عجاقة - الديار

أقرأ أيضاَ

ارتفاع أسعار الواردات الأميركية وانخفاض مفاجئ في طلبات البطالة

أقرأ أيضاَ

الإمارات تقدم 1.5 مليون دولار لدعم برامج المفوضية العليا لحقوق الإنسان